الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

35

شرح ديوان ابن الفارض

وما أحسن قول ابن الخياط الدمشقي : يا عمر وأيّ خطير خطب لم يكن * خطب الفراق أشد منه وأوبقا كلني إلى عنف الصدود فربما * كان الصدود من النوى بي أرفقا وما ألطف قوله رضي اللّه تعالى عنه في قصيدته اللامية التي تفوق على اللاميتين : وكيف أرجى وصل من لو تصوّرت * حماها المنى وهما لضاقت به السبل ( ن ) : كنى بالساكنين بالبطحاء عن الأولياء العارفين بربهم المراقبين للحضرة الإلهية وهم المشايخ الكاملون المحققون . وقوله هل من عودة ، يعني إلى ذلك المقام السامي والسر النامي . وقوله أحيا بها ، أي تظهر بها حياتي الحقيقية لي وهي الحياة الإلهية لأني أنا في نفسي ميت من جهة نفسي . كما قال تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) [ الزّمر : الآية 30 ] والتشوق إلى الكاملين من أهل المعرفة الإلهية تشوّق إلى الظاهر بهم المتجلى عليهم فلا يظن أحد أنه ميل إلى الأغيار . وقوله وا حسرتي ، إلى آخر البيت يعني أن مدّة عمره انقضت ولم يتحقق على وجه الكمال بالكشف التام على وجه الوجود الحق الظاهر على كل شيء فهو يتحسر ويتلهف ويتأسف على ذلك في ابتداء سلوكه . وقوله ومتى يؤمّل راحة ، إلى آخر البيت يعني أن جميع عمره منقسم إلى قسمين يوم يظهر له فيه بغض المحبوب الحق بعلامة صدور التقصير منه في طاعته ويوم يظهر له فيه تباعده عنه بظهور الغفلة له عنه في قلبه وهذه كلها أتعاب يقاسيها فكيف يؤمّل مع ذلك أن يجد راحة في مجموع عمره فضلا عن أن يجد ذلك . اه . وحياتكم يا أهل مكّة وهي لي قسم لقد كلفت به أحشائي حبّيكم في النّاس أضحى مذهبي وهواكم ديني وعقد ولائي « كلف » بالشيء على وزن فرح أولع به وأكلفه غيره . و « الأحشاء » جمع حشى وهو ما في البطن . و « أضحى » هنا بمعنى صار . وإن كان في الأصل بمعنى اتصاف الاسم بالخبر في وقت الضحى . و « الولاء » بفتح الواو والموالاة المحبة . الإعراب : وحياتكم : قسم . ولقد كلفت أحشائي : جوابه وما بينهما اعتراض . وحبيكم : مبتدأ وهو مصدر مضاف لفاعله . والكاف : مفعوله إذ المراد حبي إياكم . وقوله في الناس : ظاهره حشو وعند التأمل له فائدة وهي الإشارة إلى أن حبهم مذهبه